محمد حسين هيكل
316
حياة محمد ( ص )
الفصل الحادي والثلاثون دفن الرسول اختلاف المسلمين هل مات محمد - عمر يخطب الناس بأنه لم يمت - أبو بكر يعود فيخطبهم بأنه مات ويتلو عليهم القرآن - اقتناع المسلمين بقول أبي بكر - خوف الاختلاف فيمن يقوم بأمر المسلمين - بيعة السقيفة ، ثم البيعة العامة لأبي بكر - تجهيز النبي وغسله - مرور الناس به رجالا فنساء فصبيانا - دفنه حيث قبض - إنفاذ جيش أسامة إلى الشام وانتصاره - آخر ما قال الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ذهول المسلمين لخبر الوفاة وعمر يكذب الخبر اختار النبيّ عليه السلام الرفيق الأعلى في بيت عائشة ورأسه في حجرها ، فوضعت رأسه على وسادة وقامت تلتدم وتضرب وجهها مع النساء اللاتي اسرعن إليها لأوّل ما بلغهن الخبر . وفوجئ المسلمون بالمسجد بهذه الضجة ؛ لأنهم رأوا النبيّ في الصباح وكل شيء يدلّ على أنه عوفي ، مما جعل أبا بكر يذهب إلى زوجه بنت خارجة بالسنح . لذلك أسرع عمر إلى حيث كان جثمان النبيّ وهو لا يصدّق أنه مات . ذهب فكشف عن وجهه فألفاه لا حراك به : فحسبه في غيبوبة لا بدّ أن يفيق منها . وعبثا حاول المغيرة إقناعه بالحقيقة الأليمة ؛ فقد ظلّ مؤمنا بأن محمدا لم يمت فلما ألحّ المغيرة قال له : كذبت . وخرج معه إلى المسجد وهو يصيح « إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم توفي ؛ وإنه واللّه ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ؛ فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل : قد مات . واللّه ليرجعنّ رسول اللّه كما رجع موسى ، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات » . واستمع المسلمون بالمسجد إلى هذه الصيحات من جانب عمر يرسل الواحدة تلو الآخرى وهم في حال أشبه شيء بالذهول ، ألا إن كان محمد قد مات حقّا فواحر قلباه ؟ وياللهمّ الناصب لأولئك الذين رأوه وسمعوا له ، وآمنوا باللّه الذي بعثه بالهدى ودين الحق ، همّ يذهل القلب ويذهب باللبّ . وإن كان محمد قد ذهب إلى ربه ، كما يقول عمر ، فذلك أدعى للذهول ؛ وانتظار أوبته حتى يرجع كما رجع موسى أشدّ إمعانا في العجب . لذلك أحاطت جموعهم بعمر وهم أدنى إلى تصديقه وإلى الإيمان بأن رسول اللّه لم يمت . وكيف يموت وقد كان معهم منذ ساعات يرونه ويسمعون إلى صوته الجهوري وإلى دعائه واستغفاره ! . وكيف يموت وهو خليل اللّه الذي اصطفى لتبليغ رسالته ، وقد دانت له العرب كلها ، وبقي أن يدين له كسرى وأن يدين له هرقل بالإسلام ! . وكيف يموت وهو هذه القوة التي هزّت العالم مدى عشرين سنة متوالية ، وأحدثت فيه أعنف ثورة